المناوي
120
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
الشرع والأحكام ، وأوّل من حيّا الرّسول بتحيّة الإسلام « 1 » ، لم تأخذه في الحقّ لائمة اللّوّام ، ولا تفزعه سطوة الولاة والحكّام ، أوّل من تكلّم في علم البقاء والفناء ، وثبت على المشقّة والعناء ، وحفظ العهود والوصايا ، وصبر على المحن والرّزايا ، وخدم الرّسول ، وتعلّم الأصول ، ونبذ الفضول ، وقد قيل : التّصوّف التألّه عن غلبات التولّه . اعتزل النّاس بالرّبذة « 2 » دهرا طويلا ؛ وكانت تأتيه العطايا من الأمراء فيردّها . ولما مات ابنه ذرّ مرّ على قبره وقال : يا ذرّ ، قد شغلنا الحزن لك عن الحزن عليك ، ليت شعري ، ما قلت وما قيل لك ؟ . ومن كلامه : تلدون للموت ، وتعمرون للخراب ، وتحرصون على ما يفنى ، وتتركون ما يبقى ، ألا حبّذا المكروهان : الموت والفقر . وقال : نفس الإنسان مطيّته ، إن لم يرفق بها لم تبلّغه . وكان للمصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم ملازما وجليسا ، وعلى سؤاله والاقتباس منه حريصا ، وللقيام على ما استفاد منه أنيسا ، سأله عن الأصول والفروع ، وعن كلّ شيء حتى مسّ الحصى « 3 » . وكان من أخوف الصّحب ، وأكثرهم تفكّرا في شأن المعاد ، ولا يدّخر قوتا لغد ، ولا يعمر ما انهدم من داره ، ويقول : ربّ المنزل لا يدعنا نقيم فيه إلّا قليلا . مات سنة اثنتين وثلاثين ، وقيل غير ذلك رضي اللّه عنه .
--> ( 1 ) رواه أبو نعيم في الحلية 1 / 159 . ( 2 ) الرّبذة : من قرى المدينة ، على ثلاثة أيام . معجم البلدان 3 / 24 . ( 3 ) قال أبو ذر : سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن كل شيء ، حتى سألته عن مس الحصى فقال : « مسّه مرّة ، أو دع » حلية الأولياء 1 / 169 .